جنازة مين دي يا عم؟
كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 16 أكتوبر 2006 الساعة: 14:40 م
الدكتور أحمد يونس يكتب:
جنازة مين دي يا عم؟
الدستور / الأربعاء 30 أغسطس 2006
هلوسة آخر الليل
يـوم عـادي آخر, كـملايين الأيام العـادية الأخرى في تاريخ هذا البلد غير الـعادي. كـل شيء كما كان دائماً. يـوم عـادي كبقية الأيام. لا جديد. قطـارات تأتي من الجنوب, مكتظةً بالصعايدة وبـلاليص المـش والملوحة, وبمشنات الخبز الشمسي والبلهارسيا وخطابات توصيةٍ من ناظر مدرسةٍ على المعاش. قطـارات تلقي بحمولتها في محطة مصر. هكذا يكون النازحون إلى القاهرة هم من اختاروا بمحض إرادتهم المكان الذي سيجوعون فيه. وعلى الأرصفة بنات فقدن ـنهائياًـ القدرة على الحب من كثرة التجارب التي بلا معنى, فأصبحن آلات حاسبة غير دقيقة تمشي على قدمين. آلات حاسبة ببنطلون جينز محزق, وكوتشي وحجاب ملون يغطي الشعر, وبلوزة من الألياف الصناعية لا تتشرب العرق. لا أحد يلوح بالمنديل لأحد. لا أحد يفتح ذراعيه ليستقبل أحداً طالما تاق إلى لقياه. نحن في باب الحديد. الضوضاء تضرب ـكالإعصارـ طبلة الأذن.
الشوارع الجانبية المتفرعة من الميدان, تغص باللوكاندات التي تخصصت في سرقة القرويين وباعة اللب والسوداني وعمال المقاهي ومحلات الفطير وسندويتشات الفول والطعمية ومساحين الجزم. هناك أيضاً سماسرة لتأجير غرف فوق السطوح. وما تزال هنومة بتاعة يوسف شاهين تجري حافية لتبيع البيبس, بينما قناوي يبحث عن مكان له في عالم لا يراه أصلاً. ماذا يفعل هؤلاء الناس؟ أسأل شخصاً لا أعرفه: جنازة مين دي يا عم؟ هل هـو أحد الذين احترقوا في القطارات أو العبارات أو المسارح؟ يلتفت ناحيتي بلا تعبير: الله يرحمنا جميعاً! إذن, فهي جنازة الموتى الأحياء بمن فيهم أنا! جلالة الملك رمسيس الثاني, بقامته المهيبة, يتقدم المشيعين بملامح جامدة. أجري خلف التمثال الغاضب: على فين العزم يا مولانا؟ يجيبني شيخ بعمة وقفطان وشنطة سامسونايت: الباطنية! أحاول اختراق الزحام وكوردونات الأمن ليصله صوتي: جلالتك ماشي برضه عشان العفرة وعادم السيارات وعوامل التعرية؟ أسمعه يهمس: إنت لسة بتصدقهم؟
أنا: بيقولوا عايزين يغيروا اسم الميدان. الملك الحالي بيحرجم على ميدان كبير بإسمه.
هـو: مش بس كده.
أنا: معقولة يكون فيه سبب غير ده؟
هـو: علشان ما يبقاش فيه حد يقف في وش الحيثيين لما يحتلونا تاني.
…ورأيته يبكي…!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























