هذا الحكاء العظيم
كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 26 أكتوبر 2006 الساعة: 19:41 م
هذا الحكاء العظيم
هذا الحكاء العظيم
بقلم: د. أحمد يونس
قال الدكتور عبد الحميد يونس ضمن إحدى مقابلاته التليفزيونية أنه أعادقراءة حكايات أندرسن، عندما أصبح له أحفاد؛ عليه أن يـجد في كل ليلةٍ ما يقدمه لهم مع كوب اللبن الساخن قبل النوم. وبعدما انتهى من أوزيريسالذي علم الناس الزراعة وعِشـق الحياة والشرير ست وحورس الذي أرضعته أمه حب الوطـن؛ فضلاً بالطبع عن إيزيسالوفية، بعدما أجهز تماماً على جميعالملاحم والسير الشعبية التي أعاد صياغتها بشقاوةٍ كانت على الدوام كامنةًتحت الجلد في صميم شخصيته، بعدما تأكد لديه أنه مضـطر إلى تكـرار ما سبق أن حكاه مراراً عن أمنـا الغولةوالديب السحراوي وذات الرداء الأحمر، وعن جحا والسندباد ومعروف الإسكافي وملاعيـب شيحة وعلي الزيبق المصري، وأنأحفاده أصبحوا يحفظون هذا كلـه عن ظهر قلب، إلى درجة أنهم لا يتورعون عن تذكيره بما قد ينساه، ساعتـها بالتحديد، قرر أن يعيش طفولتـه مرةً أخرى مع أحفاده في عالم أندرسن السحري، وأن يضم إلى مائدة العشاء ضيوفاً، يختلفون من ليلةٍ إلى أخرى، كملكة الثلج أو عقلة الإصبع أو جنيات الغابة أو البجع البري أو منظفي المدخنة أو عرائس البحر.
أما أنا، فلقد تجلى أماميفي الرجل دون سـابق إنذار، من خلال هذه الاحتفالية المبهجة، جانب خفي، لم أكن أتخيل أصلاً أنه موجود: هذا الحـكاء العظيم! خاصةً أن مـن على يديه أينعت طفولتي بالحواديت هو جدتي، التي هي أمه، لا هو. كعلممصر الأخضر القديم، بهلاله الأبيض ونجومه الثلاث، ستظل هذه السيدة ترفرف في سماء ذاكرتي ما بقيـتحياً.
كنت أجلس هناك في الركن، كالزائر الغريب الذي لا يتمتع بعضوية نادي الطـفولة الأبدي. أتابع من موقعي البعـيد هذا الطـقَس السحـري الذييتجدد يومياً في أواخر المساء. أراقب بانبهار كيف أن الأب المعلمالجليل ، الذي أبداً ما تجاسـرت على مخاطبته إلا بلقب: سيـادتك، يتقمص جـميع الشخصيات. يقلد ابن البلدالذي يواجه الظلم بالحيلة والطالب الثوري والفلاح المغلوب على أمره، كلاً بلهجته. الشرير عنده هو دائماًجوني السكران المتوحش،الذي يجسد كل فظائع الاحتلال، أو من يخدمونه أو يتعاونون معأخلاط البشر من الشراكسة المتعجرفين أو اللصوص الغرباء أو سواقط القيد. الشرير عنده دائماً هو التاجر الجشع أو السلطان أو حاجب السلطان أو الذين يدعون له على المنابر أو ينسجون حوله البطولات الزائفة، ولا تكاد تخلو حدوتةٌ من لاظوغلي الجلاد أو كوهين المرابي أوالشيخ متلوف الذي يصدر الفتاوى تبعاً لنزوات الحاكم.
كان صوته يتهدج، تعاطفاً مع ست الحسن والجمال، المعلقة من شعرها في ظل الأسر، وتضحك عيناه حين يتمكن الشاطر حسن من مراوغة الحراس وفك ضفائرها بمجرد تلامس الشفاه. كان يحاكي بصوته انهمار المطر وزمجرة الرياح وصليل السيوف وصراخ ضحايا التعذيب في زنزانات الطغاة وهتاف المتظاهرين وسنابك الخيل أو وقع أحذية الجنود، كلما استباحت الأزقة الحجرية في هذه القاهرة الصابرة. ثم، يطول صمته، كأن الليل قد خيم على الدنيا بأسرها، عندما ينهزم الناس الطيبون أمام قوى الشر.
ولم تكن حكايات أندرسن استثناءً من البداية المحفوظةالتي على أحفاده أن يرددوها معه: كان ياما كان! يا سعد يا إكرام! ما يحلا الكلام،إلا بذكر النبي،عليه الصلاة والسلام!
وعلى ما أظن، فلقد شعر فجأة بأنه لا يستطيع أن يأخذ على حِجره كل أطفال الوطن، كمايفعل مع أحفاده؛ فكانت حكايات أندرسن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























