الكاتب ـالجدير حقاً بهذه التسميةـ ليس ضمير عصره فقط. إنما هو ـأيضاًـ عقله الباطن.< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />


الفيروس الخبيث الذي ضرب رأس الدولة

كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 6 ديسمبر 2006 الساعة: 10:53 ص

الدكتور أحمد يونس يحدثكم عن

 

الفـيروس الخبيث الذي ضرب رأس الدولة

       

هذا البلد, يحتاج ـبلغة الكومبيوترـ إلى فرمـطة الجهاز. أي إزالـة الوينـدوز من أساسه. ملحوظة أولى: الوينـدوز هو النظام المركزي الذي يتحكم في إدارة الجهاز بأكمله. انتهت الملحوظة الأولى. كما يحتاج ـبالطبعـ إلى ( تـدليت ) كـافـة الوحدات المسـاعدة أو البرامـج التي أصيبت بالخلل نتيجة لفساد الوينـدوز. القرار الصعب يكون اضطرارياً لا يمكن تجنبه, عندما يتأكد نهائياً أن الإصلاح بات في حكم المستحيل, وأن جميع الحلول الأخرى لن تقود إلا لوكـالة البـلح. وعلى أصحاب المصلحة الحقيقية في هذا البلد, ولا أحد سواهم, أن يبادروا على الفور بـالتدليت والفرمطـة, قبل أن يباع الوطن في سوق الخـردة!

نقطة البـداية دائماً هي الدماغ. العقلية المتسلطة التي تدار بها مصر من آلاف السنين. تلك هي البيئة الفاسدة التي سمحت ـعلى مر التاريخـ لهذه التشوهات بأن توجد. فكرة أن فرعـون هو صاحب البلد, لا مجرد موظف عمومي يتقاضى أجره من عرق الفقراء, وأن من حقه التصــرف فيه بالبيع متى شاء بالجملة والقطـاعي, باعتباره مالكاً أبدياً لعمارةٍ أو عزبـةٍ على هيئة بلد اشتـراه بعقد مزور. يكفيه أن يتحالف مع العسكر والكهنة والتجار, والعـدو إذا لزم الأمر, لكي يظل الشـعب دائماً خارج المعادلة. ملحوظة ثانية: لا يوجد ما هو أكثر كذباً من خرافة المستبد العادل تلك, فحرمان البشر من الحرية هو الظلم في أبشع صوره. لا شيء له معنى في ظل الاستعباد. لا شيء. انتهت الملحوظة الثانية. هذا أول ما ينبغي تدليته, فما الذي تعنيه العبودية, إن لم يكن على رأس ما تعنيه, التعامل مع الشعب باعتباره كتلة صمـاء, يلزمها الحاكم بأن تتشكل وفقاً لنزواته أو أهـوائه أو مجده الشخصي أو مصالحه, هـو أو عائلته أو الطبقـة التي سرعان ما تتكون؛ كالبكتيريا؛ في كنفه؟  العبودية ليست صك امتلاك بالسبي أو الابتياع أو الوراثة, يحتاجه صاحب البضاعـة لإثبات حقه. ليست كفاتورة شراء غسالة كهربائية أو بوتاجاز.  ليست هذا فقط. إنما هي تركيبـة أنثروبولوجيـة تجرجر حتى الآن ما علق بثقافتها من عصور ما قبل الضمير. تركيبة أنثروبولوجية لا أمل في أي شيء, إلا إذا بدأنا بتدليتها إلى الأبد. ماذا تعني العبوديـة غير التحكـم في مقادير الناس دون حتى الاستماع لوجهة نظرهم, كما لو كانوا لا شيء ؟ ماذا تعني غير اعتبارهـم جزءً لا يتجزأ من التركة العائلية, كما لو كانوا تراثاً أو عقاراً بلا إرادة؟

إن لم تكن هذه هي العبودية, فماذا عساها تكون؟ أين الفرمانان اللذان أصدرهما الخديوي إسماعيل بإلغاء الرق, ثم بتجريمه؟ أيكون علينـا أن نطالب بعد كل هذه السنوات بوضعهما حيز التنفيـذ؟هل خطر على بـال أحد لماذا ذهب هذان الفرمانان أدراج الريـاح؟ببساطة لأنهما كانا إنعاماً من الجناب العالي, لا كنتيجةٍ لتحرك جماهيري يسدد فاتورة حريته. هل نحطم الأغلال ـإذن ـبأنفسنا, لنغتسل أخيراً من أوزار العبودية؟ هل نبادر جميعاً على الفور بـالتدليت والفرمطـة؟ أم نناشد النخاس قرناً بعد آخر بأن يتعطف علينا بفك القيد قليلاً, كما يفعـل البعض من الذين يحملون سيكلوجية العـبيد الآن؟ تلك هي القضية!

ربما لاقتناعي بذلك, لم أكن من الذين اندهشوا, عندما بدأت احتفالية السعار الجنسي تقدم باكورة إنتاجها بوسط القاهرة مع أول أيام العيد. غلطة الذين أبرزوا ما حدث هي أنهم حاولوا أن يضعوا قبالة المجتمع ـالذي لا يحب أن يرى نفسهـ مرآةً لا تكذب. وكالعادة, كان هناك أمام المجتمع احتمالان: إما أن يهشمها, مؤكداً أنها من صنع القوى المعادية التي تحقد على مصر لأن لديها زعيماً كحسني مبارك, أو يديرها ليظل ينظر إلى الجانب المظلم الذي يساعد على النوم. أما الاحتمال الثالث الذي يكمن في أن يتأملها, وأن يقبل حكمها دون البحث عن شماعة, وأن يتعود على مواجهة ذاته والعالم المحيط بعقليةٍ نقديةٍ متجددة, فبكل أسف, أرى أنه ليس وارداً حتى هذه اللحظة, ولا طريق لزرعها إلا على نضافة, بعدما ننتهي من القضاء على فيروس السلطة الفاسدة الذي ضرب رأس الدولة.  

وعلى ما يبدو, فإنني مضـطر هذه المرة أيضاً لأن ألعب دور الشرير, وأن أقول هذه المرة أيضاً كلاماً يحقق المعجزة التي تظل في حياتنا من سابع المستحيلات, عندما أتمكن ـأخيراًـ من توحيد الصفوف, ضدي بالطبع. أنا لا أجد في هذا الذي شهدته شوارع وسط البلد ما يبعث على الاستغراب, ولا أعني بالطبع أنني مـوافق عليه.   ملحوظة ثالثة: أعترف بأنني تـرددت كثيراً قبل أن أختار تعبير: لا يعني أنني موافق عليه. التعبير أضعف بمراحل من مستوى الحدث. هذا صحيح. إلا أنني ـكبقية الناسـ أصبحـت لا أطيق ألفاظاً من نوعية: أستنكر أو أشجب أو أندد. انتهت الملحوظة الثالثة. الذين اندهشوا هم الذين يتوقعون أن تكون الأحداث القادمة دائماً نسخة مكررة بالكربون مما اعتادوا أن يروه في الماضي. فكرةٌ ساذجةأخرى, مفادها أن المستقبل ليس إلا اقتباساً مما فات,  وأن دواء القراع الذي اجتاح مصر في الأربعينيات يصلح أيضاً ـبالضرورةـ لعلاج ظاهرة أولاد الشوارع, أو الأطفال المجهولي النسب,  التي اندلعت كالحريق منذ بدأ البعض يستعيضون عن الطهارة بالحديث عن الطهارة. الذين اندهشوا هم الذين يتصورون أننا يجب أن نكون كائنات مستنسخة من السلف الصالح. لكن الواقع ليس كذلك بالقطع, وهو يثبت فجأةً من حـين إلى آخر أنه ليس كذلك, فلا هم يتعلمون, ولا هو يخضع لتصوراتهم البدائية. ومن هنا يأتي ما لا تسمية له في الواقع سوى: ظاهرة الهلع من الهلع الجنسي. علاوةً على أن الموضوع يفتح الباب على مصراعيه ليزاول الجميع إحدى أكبر اللذات في هذه الناحية من العالم. لذة الشكوى من الزمان. وبقدر ما استمتع الناس بهذه الهواية ضد كل الأزمنة بدون استثناء, فلقد كانت كل الأزمنة بدون استثناء أيضاً من السواد بحيث تستحق تقديمها إلى المحاكمة العلنية, لا مجرد الشكوى منها كالأرامل.

لا بد أن تعتادوا ـأيها السادةـ على أحداث أخرى غير التي تعلمتموها في كتب التاريخ الوهمي الزاعقة الألوان, كبيجامات الفقراء في العيد. كتب التاريخ المزور بحيث يكون عاملاً مساعداً على الرضا عن النفس, لا طريقةً في معرفة حقيقة ما حدث. لا بد أن تعتادوا أيها السادة على أن المستقبل سوف يأتي بأحداث أخرى غير موجودة في كتب نماذج الامتحانات التي لا يقبل عليها إلا التلاميذ البلداء الذين يرتعدون أمام فكرة التدليت والفرمطة, قائلين: اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش!

إنها حقاً لورطـة. فلم يعد في مقدور الحكومة أن تتهم كفاية أو حركات التغيير أو الشيوعيين أو الإخوان أو القوى المأجورة بأنها تقف وراء ما حدث, ولا بات في وسع الاتجاهات التقليدية أن تُرجع السبب إلى الانهيار الخلقي والإباحية والتفسخ والدش والعلمانية والإنترنت والانحلال والميكروجيب. فأيام الميكروجيب ـالشهادة للهـ لم نسمع, لا بأحداث كهذه, ولا حتى بجرائم الاغتصاب. الظاهر أن الجميع في هذه البلاد أصبحوا لا يفعلون ليل نهار أكثر من الحديث عن الفضيلة. إلى درجة أن أحداً لا يجد من الوقت ما يكفي ليمارسها.

الأولاد المصابون بالهلع الجنسي لم يهاجموا الفتيات اللائي يرتدين الملابس المثيرة من وجهة نظر الذين يرون الحل في إطفاء جميع الأنوار. بل كانت من بين الضحايا محجبات ومنتقبات من المفترض ـنظرياًـ ألا يتسببن في إثارة غرائز الشباب. الأمر الذي يثبت أن العيب عمره ما كان في البنات, فحتى لو ارتدينا النقاب, لتعرضن لنفس المصير. وحتى لو منعنا النساء من الخروج نهائياً, لاقتحمت هذه القطعان المنفلتة البيوت عليهن. وقد حدث هذا في الماضي مراراً وتكراراً, بأشكال تختلف طبعاً من عصر إلى آخر. حدث مراراً وتكراراً قبل التليفزيون والإنترنت والعلمانية والدش والميكروجيب. نظرةٌ خاطفة لكتب مؤرخي القاهرة تصفع من يؤثرون الغيبوبة المريحة على الوعي الذي لا يخلو منطقياً من بعض الألم. لكن هذه الحوادث انتشرت بالذات في أزمنة القهر والسلطة الفاسدة وتحقيق الأماني بالتخيل. أيام كان الرجال لا يرون من المرأة إلا ظلاً كئيباً يمشي في الظلام إلى جوار الحائط. أيام كان توفيق الحكيم يكتب رسائل الحب المشبوبة إلى فتاة أحلامه التي أسماها: ذات البرقع الأبيض, ليكتشف في نهاية المطاف أنها الشاشة البيضاء التي تغطي صينية القلل بشرفة الجيران.

لا يوجد ما هو أخطر على الحاضر أو المستقبل في أي مجتمع من غياب الرؤية التاريخية, ولا أقول اجترار التاريخ, فأنا من المقتنعين بأن أغلب الأمجاد التاريخية التي تزهو بها الشعوب ليست في الواقع سوى أحلام يقظة, بأثر رجعي.

الفيروس الخبيث الذي ضرب رأس الدولة استشرى في العديد من المواقع. أصبحت هناك مشكلة ما في التربة الثقافية والوجدانية لهذا البلد, فما معنى أن نعالج النباتات المريضة دون أن نكلف أنفسنا بدراسة التربة أولاً؟  وما معنى أن نواجه كل القضايا بالحلول الموروثة ضمن كراكيب المجتمع؟ لا مصدر لنا سوى الصندرة التي عششت عليها شباك العنكبوت حيث الحكمة البايتة, والإجابات النموذجية والمحفوظات التي يحفرونها بالسيخ المحمي بالنار في أدمغة العيال, كلها من الطبيعي أن تؤدي لنتائج كهذه. ثم فجأةً أيضاً, لا تلبث العاصفة أن تهدأ وننساها, ونبحث عن مصيبة أخرى تسلينا.

أضف إلى ما أوردتــه, وما لم أورده, أعداء القيم الذين في أعلى الهرم. أعداء كل القيم, دينيةً كانت أو اشتراكيةً أو تحرريةً أو ذات توجه وطني. نظام من اللصوص وقطاع الطرق ومعتادي الإجرام. تشكيلات عصابية بكل معنى الكلمة تجثم على صدر هذا الوطن الصابر الجميل. هذا هو الويندوز أو النظام الذي يتحكم في مقادير البلد. فماذا تتوقعون؟ طفرة حضارية تختصر قروناً من الموات في نصف  نهار؟ هل هذا ما كنتم تتوقعونه؟

على أني من المؤمنين بأن مصر ياما شافت. لا شيء في مقدوره أن يفزعها. العودة إلى المؤرخين الذين حكوا عن قاهرة القرون الماضية, قد تكون مفيدة لإدراك أن أحداثاً من هذا النوع, بل ربما أبشع, وقعت مراراً. العودة إلى المؤرخين الذين حكوا عن قاهرة القرون الماضية, قد تكون ذات جدوى لمن يريدون أن يعلموا. لمن يؤمنون بأن الخطوة الأولى نحو إنقاذ الوطن هي فرمطة النظام الفاسد. فرمطوا هذا النظام الفاسد قبل أن يفوت الأوان. أما من لا يريدون, فسوف يكتفون بفتح الأفواه بلا فهم, أو بتكرار ما سبق أن قاله الأقدمون في ظروف مشابهة, أو بتحليل الموقف استناداً إلى الأقوال المأثورة التي تأتي في أوراق البخت بعلب الشيكولاتة. باختصار, كما يفعلون الآن. تماماً كما يفعلون الآن.

 

الكرامة /  الثلاثاء 28 نوفمبر 2006

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “الفيروس الخبيث الذي ضرب رأس الدولة”

  1. أعلق اقول ايه بس سأقول كما قال الاولون يا عزيز يا عزيز كبه تاخد لنجليز ام اقول كما قال اخرون مفيش فايده لاكن ان اقوم بالفرمطه وانا مالى ياعم هو انا حاصلح الكون انا ياعم فى حالى ماشى جنب الحيط وياريت يسبونى بس فى حالى انما تقولى فرمطه وتدليت ده كلام يا راجل هو انت برضه مش مصرى زينا يعنى لمؤخذه يعنى جدودك من ترابها برضه وعاشوا فيها من ايام المماليك والعثملى والحمله الفرنسيه مفيش داعى نفتح فى التاريخ وخاليها مستوره … وسلملى على الويندوز
    ملحوظه وحيده هو xp ولا vista …

  2. دعوة

    للتضامن من أجل القدس

    يوم الجمعة 16 فبراير 2007

    إلى كل المدونات والمدونين

    ابدع … تظاهر … اصرخ … قاوم

    من أجل القدس

    على أثر الحفريات الاسرائلية التي تهدد المسجد الأقصى

    ندعوا كافة المدونين والمدونات لجعل يوم الجمعة يوم التدوين من أجل القدس

    فبادرن وبادروا إلى التظاهر الافتراضي من أجل حماية المقدسات

    وهذا أضعف الايمان

  3. نحن شعوب تستحق حكامها فقط !!!!!!!!!!!!!

  4. الدكتورة معالي إبراهيم. طبيبة أطفال قال:

    أنت يا سيدي رائع. عيبك الوحيد أن كلامك يأتي دائماً على الجرح. ونحن لا نحب أن يكشف أحـد جراحنا. ومع هذا، فربما كتاباتك المتفردة الشجاعة تغيرنا ذات يوم. ربما! معالي إبراهيم. طبيبة أطفال



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر