مصر تترافع عن نفسها
كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 6 مارس 2007 الساعة: 10:29 ص
الدكتور أحمد يونس يكتب:
مصر تترافع عن نفسها
قاضي البلاد يا قاضي! كيف الوصول إليك،وعساكر السلطان بعـشــرات الآلاف مرصـوصـون ـكخط بارليفـ يسدون كــل المنافذ؟ كـردونات داخل كردونات. ما أن يتجمع الجمهور حتى يبدأ العرض بتمارين الصباح اليومية على توزيع الإهانات بالعدل بين الناس. وعلى قارعة الطريق يؤدي قائد الحـملة تحـية العلم بـأن يدوسه بالحذاء الميري ضاحكاً. يتدربون في البشر على كيفية الصعق بالعصا الكهربائية. وعلى سلالم نقابة الصـحفيين، يتبارون في جرجرة المتظاهرات من شعورهن أو هتك عرضهن بتمزيق الملابس، أو سحـلهن في وضح النهار من الرصيف إلى الرصيف.
من بقي على قيد الحياة من الشهود، أمامـك يرتجفون من الفزع. حظابط نباطشي نبه عليهم: إما أن يؤكدوا أن الجناة في جريمة حرق البشر بالمسارح أو القطارات ما هم إلا نمـاذج من ضحايا حزب أعداء النجــاح،أو فإنهم سوف يذهبون ـكالذين من قبلهمـ وراء الشمس. إما أن يحلفوا على المصحف أن الآلاف من غرقى العبارات هم الذين يستحقون الإعدام حرقاً،أو فإن الجـن الأزرق لن يعـرف لهم طـريق جـرة. أما حوادث الاغتصاب أو التحرش الجماعي بالعابرات أو إضرام النـار بالكنائس من أسوان إلى الإسكندرية أو سرقـة أعضاء الناس في بني مزار، أما حرب الإبادة التي تشـن ضد أطفال الشوارع أو تهريب أعـز الآثــار على قــلب المصريين أو اسـتبدال القـطـع الأصــلية جهاراً نهاراً بأخرى مزيفة، فطابور المختلين عقلياً جـاهـز بالمئات على باب المحكمة.
المحامون في بعض القضايا بالتحديد، اختفى معظمهم تباعاً في ظروف غامضة. بالضبط كـالكـتاب المجانين الذين تخيلوا أن في الإمكان التعـامــل مع أعـشاش الدبـابـير بمنطق الفراشات. هؤلاء أو أولائك، كانوا على موعد مع نوع مــدبـر من الصدف العفوية التي تتكرر هي نفسها باستمرار. ومع ذلك، تظل مـجـرد صـدف. أحدهم، دهسته سيارة مسرعة، بينما هو جـالس يشرب قهوة المساء في حديقة مـنزله. كان يقرأ ديوان الـنــاس في بلادي لصـلاح عبد الصبور، عندما غاصت في قفصه الصدري إحدى العجلتين الأماميتين، على حـين فعصت الأخرى الطفلة التي كانت تتكلم مع عروستها على بـعــد خـطوات من تكـعيبة العنب. البواب في الليلة السابقة مباشرة راح ـدونما سبب ظـاهـرـ يتعمد معايرة الجنايني بأن له عمةً في السرايا الصفرا، وأن ســت الحـبايب مــن الـوجــوه المـألوفــة عند مباحث التموين. يكفي أنها تتلمذت، بالذات في كيفية إطلاق حـركــة اسـكـندراني اسـتريو أثناء الخناقات لبث الرعب في صفوف العدو، على يد الفـتواية الذائعــة الســيط حتى يومنا هذا الآنسة زوبامائير. إلا أن الوصــلة الاسـتفــزازية سرعان ما اتخذت مساراً آخر لا يختلف كثيراً عن وضع الشطة في الجرح المفتوح،عندما تعمد معايرته بأن من الثابت تاريخياً أن إمام الجـامع اعتدى عليه في الصغر بـتــرب السـيدة نفــيسة، وأن الشيخ التقي الورع ـبدلاً من اسـتسـماحه أو ترضـيته بشكل ماـ دأب طــوال العــمـر على ترديد هذه القصة ليروح بها في الجنازات عن أقارب المتوفين. فما كان من الجـنايني القـليل الحــيلة سوى أن أمطر طبق المـسـقعـة الذي أمامه بوابل من السـماد الطبيعي. الضابط اعتبر أن الحكاية فيها ما فيها. أحيلا إلى النيابة التي أمرت بحبسهما أربـعــة أيام على ذمة التحقيق، فأفلتا ـبتغيبهما الاضطراريـ من أن يكونا إما في عداد القتلى أو على قائمة شـهـود العيان. لا أحد من أبنـاء الفقيد استطاع أن يلتقط النمــرة. الثاني أغواه الشيطان. تلبسته حالةٌ غريبةٌ من بين أعراضها تـوهــم أن على هذه الأرض من ينهبون المال العام أو يزورون الانتخابات أو يستوردون المبيدات المسرطنة أو أكــياس الدم الملوث. لكنه ما أن عاد إلى جادة العقل حتى أصيب بالجنون ندماً على سوء نيته. ولم يكن هناك ما يمكن أن يمحو من على جبينه هذه الوصمة، فأقدم على الانتحار قاطعاً شـريانه بلبيسـة الجـزمة في إدارة العلاقات العامة بلاظـوغـلي. مصدر أمني رفيع المستوى صرح بأن الداخلية قبلت اعتذاره. أما الثالث، فجاءت كل الوقائع في قضـيته منطقيةً بحيث لا تحتاج إلى أي شرح أو تفسير. هكذا بلا مقدمات، فاجأ المتثائبين على المقاهي في باب اللوق. فاجأهم بالقفز من شرفة مكتبه بالدور الخامس عـشـر. أجمع الذين كانوا ـلحظـتهاـ أسفل العمارة أنهم سمعوه يهمس في سره قائلاً: طول عمري عايـز اطـير! ثـم رفرف بذراعيه وهوى. غفر الله له. القليلون الذين ظلوا على قيد الحياة، إما انسحبوا قبل الجلسة الأولى أو غادروا البلاد أو تنافسوا على تقديم الأدلة ضد موكـليهم. بوتيكات حقوق الإنسان المـمـولة أجنبياً، أعلنت عن رصد جائزةٍ مغـريةٍ لممثل الدفاع الذي يبعث بأكبر عدد من المتهمين إلى حبل المشنقة. الكــتـاب المـجـانين الذين تخيلوا أن في الإمكان التعـامــل مع أعـشاش الدبـابـير بمنطق الفراشات، كادوا ينقرضون كنتيجةٍ طبيعيةٍ لسوء التـغــذية.
المرأة المعصوبة العينين استثارت شفقة ذوي المشاعر المرهفة. أخذوا يجمعون لها التبرعات من المواطنين حتى تجاوز المـبلغ الخمسين مليوناً. لا أحد لديه فكــرة عـن المـصير الذي آلت إليه هذه الأموال. كل ما جرى أن الحديث انتقل فجأة إلى نقطةٍ أخرى، فلقد قام البعض برفع مذكرة إلى الرئيس، يلتمسون فيها من سـيادته أن يتكرم بإصدار قــرار جـمهـوري بعلاج هذه الـوليــة الغلبانة في الخارج على نفقة الدولة. المؤيدون لهذا الرأي اتهموا من يعارضونه بالعمالة لجهةٍ أجنبيةٍ أسمـوها: الذين لا يريدون لهذا البلد أن ينعم بالاستقرار. صرخ ـباكياً من التأثرـ وزير الداخلية في مجلس الشعب: الســت الوحـدانية دي ذنـبـهـا إيه، عـشــان تقــضـي بقــية حيـاتهـا عـمـيا! ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء! كان يشهق كبياع سريح تلقى علقةً ساخنةً على يد أمـين شـرطة، إثر امتناعه عن دفـع الإتاوة. بالرجوع إلى منظـمـة الصـحــة العالمية، أفادت بأن المــرأة المعـصـوبة العينين لا تعاني من كف البصر. خروجاً من المأزق، تبنت شـرطـة المـصـنفات الفــنية فـكـرة البـحــث لها عن فرصة عـمل مشــرف، كعـارضـة أزياء أو فــتاة إعلانات. أجمع الإخوانجية بالمجلس الموقر على أن تـرتدي النقــاب أولاً كشرط أساسي لتسلم الوظيفة. لكن السبب وراء حالة القــلق الشــديد التي ساورت البعض، كان إصرار الرتب الكبيرة في بوليس الآداب ـلحظـتها بالذاتـ على طلب الكلمة. أخيراً، تشكلت لجــنة منبثقةٌ عن لجنة السـياسـات توعز لها بـأن تسترق النظر من تحت العـصـابة، لكي تعرف كم ملياراً يملك المـذنب أو ما منصبه، قبل أن تدينه أو تـبرئه من دم القتيل.
قاضي البلاد يا قاضي! ميزان العدل سيظل مائلاً، طالما الرعب في إحدى كـفتيه. استقلال القضاء ضمانة لكل من يحيا على هذه الأرض. لكنه لا يكفي، طالما الناس يساقون كالعبيد. لا عدالة بلا حرية. آمال الوطن كــلـه معلقـة عليك أنت، فلا تخــذله من فضلك! أنت الملاذ الأخير لهذا البلد قبل أن يقتلع الطوفان كــل شيء. الأخير يا قاضي البلاد! الأخير!
هلوسة آخر الليل
الدستور / الأربعاء 3 يناير 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























