أنا آسف يا أمي
كتبهاالدكتور أحمد يونس. المهنة: مؤذن في مالطة. مـحل السكن: قــلب العـاصفة. تاريخ الميلاد: لم يأت بعد. ، في 1 أبريل 2007 الساعة: 21:12 م
أنا آسف يا أمي
21 مارس من جديد. مناسبةٌ أخرى لأتقابل على انفراد مع الشخص الذي لم أكنه. أوحشتني اللوحات التي قامت يدي هذه برسمها، قبل أن تأكلها النيران عن بكرة أبيها منذ لا أذكر كم من السـنين. أوحشتني اللوحات التي كادت يدي هذه تتخشب من التعب أثناء رسمها،قبل أن تلتهم النيران الغــابات والوجــوه وعـشــش الصـفـيح والنســاء العـجـاف المــتشــحات بالسواد والشــوارع والبـاعــة المتجولين وكــبائن الكورنيش وتـواري الشمس خلف منحنى الرؤية عند بير مسعود. أوحشني كل ما قامت يدي هذه بتجسيده في دفاتر الرسم بالألوان المائية أو الباستيل. وقد سـألت نفسي مراراً: ألا يقع ارتباطـك الغـريب بالفن التشكيلي إلى الآن داخل نطاق الحــب من طرف واحد؟ إجابتي ـأبداًـ ما تغيرت: ربما كان هذا صحيحاً! هل قلت: ربما! أقصد: غالباً في بعض الأحيان،أو ـربماـ على الأرجــح بنسبةٍ ما. تلك هي إجابتي التي ـأبداًـ ما تغيرت.
ومع ذلك، فأنا ما أزال أرتجف من النشوة حين يصف لي أشخاص معينون بالتفصيل غير المــحــدود ـعلى مدى سـاعـات قد تصبح أياماًـ بعض اللوحات التي لم يتَح لي أن أراها في المـاضـي. ليست النشــوة بالضبط. هو ـعلى ما أظنـ إحـســاس يشبه الرغبة البـدائية عند الأطفال في لمـس الشفق بأطراف الأصابع، أو تحــمــل لســعـة قــوس قــزح مقابل تذوقه باللسان، ليتأكدوا من أن ما يتهيأ لهم هناك على البعد حقيقة، لا ضرباً من خداع البصر. فضلاً عن التوحد مع الألم البشري. وفوق هذا كــلـه لأن أمي حلمت بـأن أحترف الرسم. ولم تكلف نفسها مطلقاً عناء الرد على السؤال الذي اعتاد أبي أن يطرحه: هل فكــرتِ في الطريقة التي سيكسب بها عيشه ليتفرغ إلى هـذا الفــن الرفيع؟
وعلى أنغام بوليرو عــودة الرعــاة لرافيل بحجرتها، كنت أجلس من العصر حتى أواخر المساء، ناظراً إلى شجرة الجازورينا التي تداري على جانب من شرفة الجيران. إلى درجة أنني ـعندما أردت أن أجسد الرهبة الغامضة التي تستبد بي مع حلول الليلـ جاءت النتيجة على الورقة اسطوانةً تلف في الجــرامــافون. اسطوانةً تنعكس على دورانها البطيء المتثاقل ـكإيقاع الغنمـ ارتعاشات الضوء المنبعث من النافذة بألوانه الغـروبية. كنت أجلس ـعلى أنغام بوليرو عــودة الرعــاة لرافـيل بحجرتهاـ من العصر إلى ما بعد المغيب، أفر الصــفــحــة تلو الأخرى في كتب كبار الرسامين ـأمــثـال جــويا أو إل جريكو أو فان جوخ أو بيتر بروجِل أو بيكاسو أو رمبرانت أو ليوناردو دافينشيـ لأقلدها، فتعاتبني قائلة، على حين تجمع المجلدات لتعيدها إلى الأرفف بمكتب أبي: انتهت هذه المرحلة الآن. التقليد انتهى أمره. لن تجد في الدنيا التي تراها حـواليك شيئاً يستحق الرسم،إلا إذا تعــلمــت ـأولاًـ كيف تغمض عينيك لتتخيل.
كانت تقطع الكيلومترات الطويلة سيراً على الأقدام من بيتنا ـعند كوبري عباس من جهة الجيزةـ إلى مخـتلف الحدائق بالقاهرة. التخـتة الســوداء، بحاملها الخشبي الثقيل، كأنه صليبها الشخصي، تنحدر عليهما ـكفصوص الماسـ حــبات العــرق التي تتساقط من جبهتها، فيما هي تلهث كما لو أنها قضت العمر كله تركض،لتهمس بـصــوتها الشــهــرزادي المرهق، ما أن نتوقف عند المنظر الطبيعي الذي نختاره معاً: لا ترسمه كما هـو. ارسم إحـساسك به.
فجأة، عندما استقر في يقينها أن علاقتي باللون والخط والظل سوف لا تستغرق أكثـر من سنوات معدودة،أصرت على إحراق كـل ما قمت برسمه من لوحات. وعلى الرغم من أن ما حدث كان خارجاً عن إرادتي، فلقد لازمني دائماً تجــاهها إحــســاس ثـقــيل الوطــأة بالذنب. الحزن الصامت الذي استوطنها أبداً ما أعطاني الفــرصــة حتى لأبادرها قائلاً: أنا آسف يا أمي! ظللت إلى ما بعد الغروب أراقبها من تحت الضمادة التي تغطي العينين، على حين أخذت هي في الشرفة تقذف بأفــرخ الورق المـلفـوفـة تباعاً بين ألسنة اللهب. تقذف بها ـالواحد تلو الآخـرـ بعد أن تفــردهــا ببطء شديد،لتلقي عليها النظـرة الأخيرة. كانت تبكي ـلأول مرةـ بصوت مـسـمـوع يخلع القلب، كما لو أنها تحتج على عــقــاب لا تستحقه. خاصمت إلى الأبد المـعـارض والكــتب المــصــورة والسينما. من يومها، وأنا أحاول في كـل 21 مارس إلى أن غادرت الدنيا أن أقنعها بـأن تخلع حداد الروح.
إلا أنني فـشـلت.
هلوسة آخر الليل
الدستور / الأربعاء 21 مارس 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























